التعليم المنزلي  هل يكون بديلا للمدارس ؟

 

هل ستختفي المدارس ليحل محلها المعلم الخصوصي الذي يعلم الأولاد ما يتوجب عليهم تعلمه ؟ و هل سيعود المنزل كما كان في الماضي مركزا علميا تربويا يعد الأطفال لحياتهم المستقبلية ، أيا كانت تلك الحياة ، مع فارق أن التكنولوجيا ، خاصة الأنترنت ، يوفر كل ما نحتاجه من علم ، دون أن نخطو خطوة واحدة خارج المنزل أو الغرفة التي نعيش فيها ؟  ربما ستتمكن الشركات مستقبلا من أنتاج المعلم الروبوت الذي يعرف كل شيء و بذلك سنستغني عن المدارس و المعلمين و ربما مهنة التعليم بمعناها التقليدي ؟

على مدى السنوات الثلاثين الماضية، شهد “التعليم المنزلي”  طفرة أنفجارية . كان هناك  حوالي عشرة آلاف تلميذ في هذا النوع من التعليم في ثمانينيات القرن الماضي ، و اليوم زاد العدد على مليونين تلميذ . لقد أحدث الإنترنت ثورة في الطريقة التي نتعلم بها، وقدم لنا  معلومات لا نهاية لها عن مجموعة واسعة من المواضيع.

أن التعليم المنزلي يعني ببساطة تعليم الأطفال في البيوت بدلا من الذهاب الى المدارس ، وهو عادة ما يتم على يد أحد الوالدين أو معلم خصوصي .في العديد من البلدان المتقدمة، يعد التعليم المنزلي بديلا قانونيا للمدارس العامة والخاصة. وفي دول أخرى، لا يزال التعليم المنزلي غير قانوني أو مقيد بشروط محددة.

ووفقا للمركز الوطني الأمريكي للإحصاءات التعليمية، فإن حوالي 3 في المئة من جميع الأطفال في الولايات المتحدة  تلقوا تعليمهم في منازلهم في العام الدراسي 2011-2012. في العام 2016، كان هناك حوالي 2.3 مليون طالب أميركي يدرسون في بيوتهم . يقول منتقدو التعليم المنزلي إن طلاب هذا النوع من التعليم  يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية الضرورية. ولكن الدراسات وجدت أن 98٪ من أولئك الطلاب شاركوا في نشاطين أو أكثر خارج المنزل. وقد تم قبول طلاب المدارس في العديد من جامعات الصفوة الأميركية .

تاريخيا كان المعلم الخصوصي  خيارا متاحا  أمام الأغنياء فقط . وحتى وقت قريب نسبيا، كان التعليم ، خاصة للأطفال ، يتم على يد أفراد وأصدقاء العائلة .  تأسست أول المدارس العامة في الثقافة الغربية الحديثة في أوائل القرن السادس عشر في المانيا . ومع ذلك، فأن غالبية الدول الأوربية في القرن الثامن عشر كانت تفتقر إلى التعليم النظامي. الا أن التعليم النظامي بدأ يجد طريقه بسرعة ، خاصة في البلدان المتقدمة منذ أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر . وقد قاوم الأمريكيون الأوائل بشدة التعليم الإلزامي .في ستينيات القرن الماضي  بدأ روساس جون روشدوني في الدعوة إلى التعليم المنزلي، و هو ما أعتبره وسيلة لمكافحة الطابع العلماني لنظام المدارس الحكومية في الولايات المتحدة. في ذات الوقت أكد التربويان الأمريكيان  ريموند ودوروثي  مور، بعد أستعراض لأكثر من 8000 دراسة حول التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والنمو البدني والعقلي للأطفال ، أكدوا أن التعليم الرسمي قبل سن 8-12 لا يفتقر إلى الفعالية المتوقعة فحسب بل أنه يضر بالأطفال أيضا . و أضافا أن التعليم الرسمي يضر الأطفال الصغار أكاديميا واجتماعيا وعقليا، وحتى فسيولوجيا. و قالا أن العديد من الدراسات أثبتت أن الأيتام الذين أعطوا أمهات بديلة كان أكثر ذكاء  وبشكل واضح ،  على الرغم من أن أمهاتهم  كن   “مراهقات ومتخلفات عقليا”. و قالا  أن الروابط والتطور العاطفي التي تحدث للأطفال مع ذويهم في البيوت تتعرض للتوقف أو التعطل نتيجة التحاق الطفل بالمدرسة .وإدراكا من ريموند ودوروثي  مور لضرورة توفير الرعاية المبكرة لبعض الأطفال خارج المنزل ، ولا سيما ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال الفقراء ، الا أنهما أكدا أن الغالبية العظمى من الأطفال كانوا أفضل بكثير في بيوتهم مع أولياء أمور عاديين بالمقارنة من المدارس مع معلمين ممتازين .

في عام 1976، نشر جون هولت  كتابه ” بدلا من التعليم. : طرق لمساعدة الناس فعل الأشياء بشكل أفضل ( Instead of education : Ways to Help People Do Things Better (  و فيه دعا لمساعدة الأطفال على  الخلاص من التعليم الإلزامي. في عام 1980، قال هولت: “أريد أن أوضح أنني لا أرى التعليم المنزلي كنوع من الإجابة على سوء المدارس، وأعتقد أن المنزل هو القاعدة الصحيحة لاستكشاف العالم الذي نسميه التعلم أو التعليم، وسيكون المنزل أفضل قاعدة بغض النظر عن مدى جودة المدارس “. لقد اكد هولت و من قبله ريموند ودوروثي  مور أن التعليم المنزلي لا يعني جلب المدرسة إلى المنزل، أو أنه بداية أكاديمية للحياة. أن التعليم المنزلي يمثل لهم جانبا طبيعيا وتجربيا للحياة يحدث عندما يتشارك أفراد الأسرة  حياتهم اليومية .

لماذا نعلم أطفالنا في المنازل ؟ یشیر أولیاء الأمور عادة إلی دافعین رئیسیین : عدم الرضا عن المدارس  والرغبة في المساهمة  في تعليم و تطوير أطفالھم . أن عدم رضا الآباء عن المدارس عادة ما يتضمن مخاوف بشأن البيئة المدرسية، ونوعية التعليم الأكاديمي، والمناهج الدراسية، والتنمر الذي يتعرض له أولادهم وعدم الثقة في قدرة المدرسة على تلبية احتياجات أطفالهم الخاصة. بعض الآباء يريد تعليم اولادهم في المنزل رغبة منهم في الحصول على قدر أكبر من السيطرة على ما وكيف يتم تعليم أبنائهم، و تلبية لقدرات الطفل وإمكاناته الفردية، لتوفير التعليم من موقف ديني أو أخلاقي معين، وتوفير المزيد من الوقت للأنشطة و التعليم غير  الأكاديمي.

يستخدم التعليم المنزلي مجموعة واسعة من الطرق والمواد. وتختار الأسر أساليب تعليمية مختلفة، تمثل مجموعة متنوعة من الفلسفات والنماذج التعليمية. بعض الأساليب أو بيئات التعلم المستخدمة تشمل التعليم الكلاسيكي (و الذي يشمل القواعد و الحساب و الهندسة و المنطق و الخطابة و علم الفلك  و الموسيقى )، أو أسلوب شارلوت ميسون في التعليم و الذي يقوم على مبدأ تعليم كامل جسد الطفل لا عقله فقط ، طريقة مونتيسوري القائمة على التدريب الذاتي و التجريبي و التعاوني ، نظرية الذكاءات المتعددة، و غيرها من الاساليب . يمكن تطوير أساليب خاصة للتعليم المنزلي أعتمادا على مستوى الطالب و أهتماماته .من  المألوف أن تجرب  الأسرة أكثر من منهج واحد حتى تكتشف ما هو الأنسب و الأفضل لأبنها . العديد من الأسر تستخدم نهجا انتقائيا، يعتمد على أختيارات متعددة من المناهج التعليمية . بالنسبة لمصادر المناهج والكتب، وجدت دراسة أن  العوائل تستخدم  مصادر مختلفة للحصول على الكتب منها المكتبات العامة و دور النشر و المخازن الكبيرة أو منظمة التعليم المنزلي أو ما موجود في اماكن العبادة أو غيرها من المؤسسات الدينية أو المدارس الحكومية في الحي او  التعلم عن بعد او التلفزيون والفيديو أو الراديو او  الإنترنت أو البريد الإلكتروني

وتندرج جميع النهج الأخرى في التعليم المنزلي في إطار فئتين أساسيتين: التعليم المنزلي المنظم وغير المنظم . ويشمل التعليم المنزلي المنظم أي طريقة أو أسلوب للتعليم المنزلي يتبع منهجا أساسيا مع أهداف ونتائج واضحة. هذا النمط يحاول تقليد بنية البيئة المدرسية التقليدية مع  إضفاء الطابع الشخصي على المناهج الدراسية. التعليم المنزلي غير المنظم  هو أي شكل من أشكال التعليم المنزلي لا يوفر فيه الأباء منهج دراسي واضح  و يركزون فيه على  تجارب الطفل اليومية و على التعلم الذاتي من قبل الطفل، وخالية من الكتب المدرسية والمعلمين، وأي تقييم رسمي للنجاح أو الفشل.

وفقا لجمعية الدفاع القانوني عن التعليم الذاتي فأن العديد من الدراسات قد أكدت تفوق الأطفال الذين يتعلمون في بيوتهم على نظرائهم الذين يتعلمون في المدارس . وجدت دراسة أجريت في عام 2008 أن 11،739 طالبا من التعليم المنزلي تفوقوا بمقدار 37  نقطة  على طلاب المدارس الحكومية في اختبارات الإنجاز القياسية. في عام 2011، أجريت دراسة شبه تجريبية شملت طلاب تعليم منزلي و طلاب مدارس تقليدية  تتراوح أعمارهم بين 5 و 10 سنوات و تبين من الدراسة أن غالبية طلاب التعليم المنزلي حققوا درجات قياسية أعلى بالمقارنة مع نظرائهم . في دراسات حول المعدل التراكمي لطلاب التعليم المنزلي تبين أن هؤلاء الطلاب حققوا معدلات تراكمية أعلى في الدراسة الثانوية بالمقارنة مع نظرائهم طلاب المدارس التقليدية .

بالمقابل  يركز منتقدو التعليم المنزلي على أفتقار الطلاب الى المهارات العاطفية و كيفية التعامل مع الواقع في الكبر ، خاصة العمل مع الأخرين . كما يركزون على مسالة العوائل الكبيرة التي لديها العديد من الأطفال و في اعمار مختلفة و توجهات مختلفة . تقول ايمي ستيوارت ويلز، الأستاذة في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا، إن طلاب التعليم المنزلي  لا يتعلمون أن يكونوا أعضاء في مجتمع متنوع. وتقول ويلز: “لا أريد أن يفكر أبني بنفس الطريقة التي افكر بها اريده ان يواجه التحديات التي يجب أن يواجهها و أريده ان يتعرف على الكيفية التي يفكر بها الأخرون .علينا أن ننظر الى التعليم المنزلي من هذه الزاوية .”و يتحدث أخرون عن التكاليف المرتفعة للتعليم المنزلي . على سبيل المثال ، يقول والد طفلين يتعلمون في المنزل أنه يدفع أكثر من 7،000 دولار سنويا في دروس أضافية لطفليهم ، أضافة الى أجور المدارس . يضيف  “أعرف الكثير من الناس يدفعون 4000 دولار سنويا لتعليم أطفالهم عزف الكمان و 2،000 دولار لدروس أضافية في العلوم .  كما يتحدث البعض عن الأرهاق الذي يصيب أولياء الأمور بعد قضاء وقت طويل في تدريس  أطفالهم ، ناهيك عن القيام بامور البيت الأخرى ، خاصة الأمهات ، من طبخ و تنظيف و تسوق . لكن العديد من هؤلاء يشعرون بالغبطة لأن لديهم الفرصة لتعليم أطفالهم بالطريقة التي يريدون و قضاء وقت طويل و جميل معهم .

على العموم أذا لم يشكل التعليم المنزلي تهديدا لوجود المدارس و النظام التعليمي فأنه سيؤثر بها في المستقبل . تقول  بينيلوبي ترونك أن نمو التعليم المنزلي سيؤثر على اسواق العمل . و تضيف ” هذا يعني أنه سيكون لدينا جيل من الأطفال الذين تعلموا في منازلهم و سيكونوا  أكثر تعويدا على معرفة ما يحبون القيام به، والقيام بذلك على طريقتهم الخاصة .” نحن نشهد اليوم  أشكالا جديدة من التعليم العالي تتطور ، لم يعد حضور الفصول الدراسية ضرورة  للحصول على الشهادة الجامعية . تتطلب الأشكال الجديدة للتعليم العالي من الطلاب درجة عالية من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات والانضباط والإبداع. كل هذه هي القدرات والمهارات بدأت بالأختفاء في النظام المدرسي القائم الا انها حاضرة بقوة في التعليم المنزل