مستقبل التعليم العالي في عصر الذكاء الأصطناعي

أصبح مصطلح “الذكاء الاصطناعي” كثير التداول هذه الأيام، لدرجة أن البعض أصبح يربطه بالخوف من سيطرة الآلات واضمحلال دور البشر . عرف جون مكارثي -الذي وضع هذا المصطلح سنة 1955- الذكاء الاصطناعي بأنه “علم وهندسة صنع آلات ذكية”.ويعرفه آخرون بأنه “دراسة وتصميم أنظمة ذكية تستوعب بيئتها وتتخذ إجراءات تزيد من فرص نجاحها”. لقد تطورت تقنيات الذكاء الأصطناعي كثيرا في السنوات الأخيرة، وتعد تقنية “التعلم العميق” التي ترتكز على تطوير شبكات عصبية صناعية تحاكي أسلوب الدماغ البشري، أي قدرتها على التجريب والتعلم والتطوير الذاتي دون تدخل البشر ، أبرز مظاهره. الى ذلك أشار عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ إلى ” أن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يمهد لفناء الجنس البشري، محذرا من قدرة الآلات على إعادة تصميم نفسها ذاتيا.” و قال بيل غيتس “أنا في معسكر من يشعر بالقلق إزاء الذكاء الخارق”. و تمنى أن تبقى الروبوتات ” غبية الى حد ما ” .  كتب ديريك طومسون ، أحد كبار المحررين في مجلة الأتلانتك يقول ” الخبر السار هو أننا ما زلنا متخلفين عقدين من الزمان عن عصر الذكاء الاصطناعي بالرغم من أن وتيرة التغيير ربما أسرع مما قد نتخيل.”

حذر بعض المختصين في الاقتصاد والتكنولوجيا في السنوات القليلة الماضية من أن الاقتصاد يقترب من نقطة تحول . يرى هؤلاء و هم يدققون في بيانات سوق العمل، علامات مثيرة للقلق، يغطي عليها بعض الأنتعاش الدوري في الوقت الحاضر . وعندما يشيحوا بأبصارهم بعيدا عن البيانات فأنهم أشكالا متنوعة من الأتمتة : روبوتات في غرف العمليات وأخرى في مطاعم الوجبات السريعة. وهم يتخيلون سيارات ذاتية القيادة تتهادي في الشوارع وطائرات بدون طيار تحلق في السماء، لتحل محل الملايين من السائقين، وموظفي المخازن وعمال التجزئة. وهم يلاحظون أن قدرات الآلات  الهائلة  تستمر في التوسع بشكل كبير  في حين أن قدراتنا ما تزال  كما هي . كل ذلك يدفعهم الى التساؤل : في ظل هذه الظروف أي من الوظائف ستكون في منأى من أن يطالها ما طال الوظائف الآخرى؟ ”

يعتقد جيري كابلان ، أحد المختصين في علم الحاسوب ، ان الذكاء الاصطناعي يتمثل في “التعلم الآلي، و الشبكات العصبية، و البيانات الكبيرة، و النظم المعرفية أو الخوارزميات الجينية” و هو سيحل قريبا محل الذكاء البشري. وبنفس الطريقة التي حلت بها الآلات محل العمل البدني البشري أثناء الثورة الصناعية، فإن الذكاء الاصطناعي سيحل محل العمل البشري المعرفي خلال ما وصفه إيريك برينجولفسون ( الأستاذ في معهد ماساشوتس للتكنولوجيا و مدير مبادرة الأقتصاد التكنولوجي في المعهد ) وأندرو مكافي ( مدير مبادرة الأقتصاد التكنولوجي في المعهد ) بعصر الآلة الثانية. “أن الموجة القادمة من الذكاء الاصطناعي سوف تدمر العديد من المهن”، يؤكد كابلان. “أن التكنولوجيا لن تميز بين هذه المهنة أو تلك .”

يكاد يتفق الجميع اليوم أن الغرض من التعليم العالي هو إعداد الشباب للعمل. يقول شون غالاغر( من كبار رواد الأعمال ) : ” أن أحد الأهداف الأساسية للتعليم العالي هو إعداد الطلاب لسوق العمل “. أن من المسلمات أعتبار الغرض من التعليم العالي هو إنتاج كوادر مؤهلة لأداء وظائف في ظل اقتصاد عالمي معقد. ومن المؤكد أن الكليات ساعدت دائما على حماية الناس من الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن التغير التكنولوجي.  في الواقع، أن التعليم العالي في الولايات المتحدة منذ قانون موريل في 1862 ، أو على الأقل منذ قانون دعم المحاربين القدماء في 1944 ، قد ركز و عرّف على أنه تنمية رأس المال البشري. ولكن إذا صدقت  التنبؤات المرتبطة بالذكاء الأصطناعي (  عالم بلا عمل ) ، فإن العلاقة بين التعليم العالي و الأعداد لسوق العمل لن تعد قائمة . أذن ما هي الغاية الأساسية من التعليم العالي عندما يجعل الذكاء الاصطناعي من العمالة البشرية زائدة عن الحاجة؟

فيما يلي ثلاثة سيناريوهات قدمها ديفيد ستيلي في شبكة شرق غرب للتعليم  ، كل واحد منها يتخيل العالم بعد 25 سنة ، حيث يكون الذكاء الاصطناعي طاغيا في كل مكان. ما هو الدور الذي ستلعبه مؤسسات التعليم العالي في كل سيناريو؟ كيف سيفكر قادة التعليم العالي بشكل استراتيجي من أجل الأستمرار في ظل الظروف الموصوفة في كل سيناريو؟

السيناريو 1: تعليم عال عفا عليه الزمن

في ظل الذكاء الاصطناعي، ومع تراجع عدد الوظائف التي تتطلب مهارات إدراكية بشرية، لم يعد تطوير رأس المال البشري أمرا حتميا، وبالتالي أصبح التعليم العالي غير ضروري بالنسبة لمعظم السكان. ولا يزال هناك عدد قليل من مؤسسات التعليم العالي، كأماكن يذهب اليها الطلاب لتطوير  أمكاناتهم العقلية ، ولكن العديد من المؤسسات قد أغلقت لأنها لم تعد مركزا لأعداد الطلاب لسوق العمل ، و هي أحد المهام الأساسية لمؤسسات التعليم العالي . يعود التعليم العالي إلى حالته السابقة كنشاط ترفيهي للقلة. أولئك الذين يبحثون عن التعليم العالي يفعلون ذلك دون هدف نهائي محدد، وبالتأكيد ليس البحث عن عمل في المستقبل . أن التعليم العالي موجود فقط للراغبين والمهتمين به من أجل التعليم فقط . بعض تكاليف التعليم العالي تغطيها بدلات الحد الأدنى الأساسية للدخل – الدخل الذي يكفله القانون – ولكن تكاليف التعليم العالي يتحملها إلى حد كبير الأفراد، ولذلك فإن معظم الناس يميلون إلى الأبتعاد عن مؤسسات التعليم العالي التقليدية . يسعى الراغبون في التعليم العالي إلى الحصول على مصادر غير تقليدية ، مثلا عبر الأنترنت أو زيارة  المكتبات العامة.

السيناريو 2: تعليم عال بشري بامتياز

في وقت ما، كان التعليم العالي يرتبط بالحصول على المعلومات. ومع أنفجار المعلومات و سهولة الحصول عليها ، أصبح التعليم العالي يركز على تنمية المهارات. ومع تقدم الذكاء الاصطناعي أصبح الكثير من المهارات البشرية غير ضروري، و حول التعليم العالي تركيزه إلى تنمية الصفات التي لا يمكن أن تحاكيها الآلات. لم يعد الطلاب يدخلون الجامعات لدراسة المحاسبة، والهندسة أو تكنولوجيا المعلومات، لأن هذه المهن يسيطر عليها الذكاء الأصطناعي . هؤلاء الطلاب يريدون تطوير الفضول والإبداع والخيال و التعجب واللعب و هي أمور لم ينجح الذكاء الصطناعي في السيطرة عليها . لا يوجد منهج محدد، ولا توجد مجموعة مقررات يتعين على الطالب دراستها في هذه الجامعة. بدلا من ذلك، يتم تشجيع الطلاب على متابعة إهتماماتهم والانتقال من موضوع إلى موضوع وفقا لمل يمليه الفضول لدى كل واحد منهم . قال دانيال بينك ( صاحب المؤلفات العديدة في الأدارة و السلوكيات ) أن سمات الجانب الأيمن من الدماغ  – مثل اللعب وصنع المعاني  –  ستهيمن في عصر الآلات الذكية، بعد أتمتة مهارات الجانب الأيسر من الدماغ . لقد وصلنا الى عصر الجهاز الذكي، ويحول التعليم العالي مهمته إلى التركيز على صفات الجانب الأيمن من الدماغ .

السيناريو 3: تعليم عال مشترك

إن الشطرنج الهجين – الذي طوره  غاري كاسباروف بعد فترة وجيزة من هزيمته أمام جهاز الكمبيوتر ديب بلو  – هو لعبة تتنافس فيها أجهزة الكمبيوتر والبشر معا ضد فرق أخرى من الكمبيوتر و البشر . وصف كاسباروف هذه الفرق بأنها هجين من البشر والآلات . في هذا السيناريو، يكون هدف التعليم العالي إنتاج ذلك الهجين . ينفذ الذكاء الاصطناعي العديد من المهام المعرفية بكفاءة أكبر من البشر. ولكن الذكاء البشري ضروري أيضا لاستكمال العديد من المهام المعرفية. وبعبارة أخرى، البشر والذكاء الصطناعي ( متمثلا بالآلآت و الخوارزميات ) يعملان معا بشكل أكثر فعالية مما لو عمل كل واحد منهما على حدة  . يصبح الغرض من التعليم العالي خلق التفاعل بين الذكاء البشري والاصطناعي. تصف المصممة سفيتا ماكشين كيفية عمل  الخوارزميات ( الذكاء الأصطناعي ) والمصممين ( البشر) معا: ” يصبح الأنسان الوصي إنتفت الحاجة له كمشغل للألة في التصميم التوليدي. و هو يختار أفضل الحلول الممكنة و يعمل جنبا إلى جنب مع الكمبيوتر في خلق التصاميم الأكثر مثالية. و مع توفر العديد من الاحتمالات، يمكننا الآن اختيار التصميم الذي يناسب احتياجاتنا من حيث الهيكل والوزن والشكل، الخ …  لا يُستبدل البشر عندما يبدأ الجهاز في أعداد التصاميم الخلاقة ؛ وبدلا من ذلك يصبح الأنسان معلما أو موجها . ”

أن الغرض من التعليم العالي هو تثقيف البشر والآلات معا، و يصبح البشر معلمين أو موجهين للألأت . يتخيل هوارد غاردنر ( استاذ علم النفس في جامعة هارفارد ) ” مستقبلا يستخدم فيه مدمنو الأبداع أيضا أجهزة الكمبيوتر كأطراف اصطناعية فكرية … معظم الابتكارات اليوم – بدء من التصاميم المعمارية لفرانك جهري  ( المعماري المعروف)  و أنتهاء بفك شفرة الجينوم من قبل شركة سيليرا – لن تكون ممكنة من دون أجهزة كمبيوتر قوية . “يهدف التعليم العالي إلى زيادة الذكاء البشري بواسطة  الذكاء الاصطناعي.

الخبر السار هو أننا ما زلنا متخلفين عقدين من الزمان عن عصر الذكاء الاصطناعي بالرغم من أن وتيرة التغيير ربما أسرع مما قد نتخيل . ومع ذلك، يحتاج قادة التعليم العالي الى البدء في التحضير اليوم لمثل هذا العالم، وتحديد كيف ستتماشى مؤسساتهم مع الواقع الجديد. أولئك الذين فعلوا ذلك و أستعدوا لذلك اليوم سينالهم النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي.